مرتضى الزبيدي
48
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين
مهما كان المادح ممن لا يؤبه له ولا يقدر على شيء ، فإن القدرة عليه بملك قلبه قدرة على أمر حقير فلا يدل المدح إلا على قدرة قاصرة ، وبهذه العلة أيضا يكره الذم ويتألم به القلب ، وإذا كان من الأكابر كانت نكايته أعظم لأن الفائت به أعظم . السبب الثالث : أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه ، لا سيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتد بثنائه ، وهذا مختص بثناء يقع على الملأ فلا جرم كلما كان الجمع أكثر والمثني أجدر بأن يلتفت إلى قوله كان المدح ألذ والذم أشد على النفس . السبب الرابع : أن المدح يدل على حشمة الممدوح ، واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالثناء على الممدوح إما عن طوع وإما عن قهر ، فإن الحشمة أيضا لذيذة لما فيها من القهر والقدرة . وهذه اللذة تحصل وإن كان المادح لا يعتقد في الباطن ما مدح به ، ولكن كونه مضطرا إلى ذكره نوع قهر واستيلاء عليه ، فلا جرم تكون لذته بقدر تمنع المادح وقوته ، فتكون لذة ثناء القوي الممتنع عن التواضع بالثناء أشد . فهذه الأسباب الأربعة قد تجمع في مدح مادح واحد فيعظم بها الالتذاذ ، وقد تفترق فتنقص اللذة بها أما العلة الأولى وهي استشعار الكمال فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه